فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عطية:

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ}
هذا أيضًا شرط وجواب والجواب في الفاء من قوله: {فقد} وفيما بعدها، قال النقاش: هذه أول آية نزلت من سورة براءة، ومعنى الآية أنكم إن تركتم نصره فالله متكفل به، إذ فقد نصره في موضع القلة والانفراد وكثرة العدو، فنصره إياه اليوم أحرى منه حينئذ، وقوله: {إذ أخرجه الذين كفروا} يريد فعلوا من الأفاعيل ما أدى إلى خروجه، وأسند الإخراج إليهم إذ المقصود تذنيبهم، ولما كان مقصد أبي سفيان بن الحارث الفخر في قوله: من طردت كل مطرد، لم يقرره النبي صلى الله عليه وسلم، والإشارة إلى خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظر أمر الله عز وجل في الهجرة من مكة، وكان أبو بكر حين ترك ذمة ابن الدغنة قد أراد الخروج من مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصبر فلعل الله أن يسهل في الصحبة»، فلما أذن الله لرسوله في الخروج تجهز من دار أبي بكر وخرجا فبقيا في الغار الذي في جبل ثور في غربي مكة ثلاث ليال، وخرج المشركون في أثرهم حتى انتهو إلى الغار، فطمس عليهم الأثر، وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم لقدمه لرآنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
ويروى أن العنكبوت نسجت على باب الغار، ويروى أن الحمامة عششت عند باب الغار، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يجعل ثمامًا في باب الغار فتخيله المشركون نابتًا وصرفهم الله عنه، ووقع في الدلائل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نبتت على باب الغار راءة أمرها الله بذلك في الحين، قال الأصمعي: جمعها راء وهي نبات من السهل.
وروي أن أبا بكر لما دخل الغار خرق رداءه فسدَّ به كواء الغار لئلا يكون فيها حيوان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي أنه بقيت واحدة فسدها برجله فوقى الله تعالى، وكان يروح عليهما باللبن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وقوله: {ثاني اثنين} معناه أحد اثنين، وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة فإذا اختلف اللفظ فقلت رابع ثلاثة فالمعنى صير الثلاثة بنفسه أربعة، وقرأ جمهور الناس {ثانيَ اثنين} بنصب الياء من {ثاني}.
قال أبو حاتم: لا يعرف غير هذا وقرأت فرقة {ثاني اثنين} بسكون الياء من ثاني، قال أبو الفتح: حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهه أنه سكن الياء تشبيهًا لها بالألف.
قال القاضي أبو محمد: فهذه كقراءة ما بقي من الربا وكقوله جرير: [البسيط]
هو الخليفةُ فارضوا ما رضي لكمُ ** ماضي العزيمة ما في حكمه جنف

وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وروي أن أبا بكر الصديق قال يومًا وهو على المنبر: أيكم يحفظ سورة التوبة، فقال رجل أنا، فقال اقرأ فقرأ، فلما انتهى إلى قوله: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} بكى وقال أنا والله صاحبه، وقال الليث: ما صحب الأنبياء مثل أبي بكر الصديق، وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله: {إلا تنصروه}.
قال القاضي أبو محمد: أقول بل خرج منها كل من شاهد غزوة تبوك ولم يتخلف، وإنما المعاتبة لمن تخلف فقط، أما إن هذه الآية منوهة بأبي بكر حاكمة بقدمه وسابقته في الإسلام رضي الله عنه، وقوله: {إن الله معنا} يريد به النصر والإنجاء واللطف، وقوله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه} الآية، قال حبيب بن أبي ثابت: الضمير في {عليه} عائد على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل ساكن النفس ثقة بالله عز وجل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول من لم ير السكينة إلا سكون النفس والجأش، وقال جمهور الناس: الضمير عائد على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أقوى، و{السكينة} عندي إنما هي ما ينزله الله على أنبيائه من الحياطة لهم والخصائص التي لا تصلح إلا لهم، كقوله تعالى: {فيه سكينة من ربكم} [البقرة: 248] ويحتمل أن يكون قوله: {فأنزل الله سكينته} إلى آخر الآية يراد به ما صنعه الله لنبيه إلى وقت تبوك من الظهور والفتوح لا أن تكون هذه الآية تختص بقصة الغار والنجاة إلى المدينة، فعلى هذا تكون الجنود الملائكة النازلين ببدر وحنين، ومن رأى أن الآية مختصة بتلك القصة قال الجنود ملائكة بشروه بالنجاة وبأن الكفار لا ينجح لهم سعي، وفي مصحف حفصة {فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما}، وقرأ مجاهد {وأأيده} بألفين، والجمهور {وأيّده} بشد الياء، وقوله: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} يريد بإدحارها ودحضها وإذلالها، {وكلمة الله هي العليا} قيل يريد لا إله الا الله، وقيل الشرع بأسره، وقرأ جمهور الناس {وكلمةُ} بالرفع على الابتداء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويعقوب {وكلمةَ} بالنصب على تقدير وجعل كلمة، قال الأعمش: ورأيت في مصحف أنس بن مالك المنسوب إلى أبيّ بن كعب {وجعل كلمته هي العليا}. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ}
قوله تعالى: {إلا تنصروه} أي: بالنفير معه {فقد نصره الله} إعانةً على أعدائه، {إذ أخرجه الذين كفروا} حين قصدوا إهلاكه على ما شرحنا في قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} [الأنفال: 30] فأعلمهم أن نصره ليس بهم.
قوله تعالى: {ثاني اثنين} العرب تقول: هو ثاني اثنين، أي: أحد الاثنين، وثالث ثلاثة، أي: أحد الثلاثة، قال الزجاج: وقوله: {ثاني اثنين} منصوب على الحال؛ المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين، أي: نصره منفردًا إلا من أبي بكر، وهذا معنى قول الشعبي: عاتب الله أهل الأرض جميعًا في هذه الآية غير أبي بكر.
وقال ابن جرير: المعنى: أخرجوه وهو أحد الاثنين، وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر.
فأما الغار، فهو ثَقب في الجبل، وقال ابن فارس: الغار: الكهف، والغار: نبت طيِّب الرِّيح، والغار: الجماعة من الناس، والغاران: البطن والفرج، وهما الأجوفان، يقال: إنما هو عبد غارَيْه.
قال الشاعر:
ألَم تر أنَّ الدَّهْرَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ** وأنَّ الفَتَى يَسْعَى لِغَارَيْهِ دَائِبَا

قال قتادة: وهذا الغار في جبل بمكة يقال له: ثور.
قال مجاهد: مكثا فيه ثلاثًا.
وقد ذكرت حديث الهجرة في كتاب الحدائق.
قال أنس بن مالك: أمر الله عز وجل شجرة فنبتت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت في وجهه، وأمر حمامتين وحشيتين فوقعتا في فم الغار، فلما دنوا من الغار، عَجِل بعضهم لينظر، فرأى حمامتين فرجع فقال: رأيت حمامتين على فم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد.
وقال مقاتل: جاء القائف فنظر إلى الأقدام فقال: هذه قدم ابن أبي قحافة، والأخرى لا أعرفها، إلا أنها تشبه القدم التي في المقام.
وصاحبه في هذه الآية أبو بكر، وكان أبو بكر قد بكى لما مرَّ المشركون على باب الغار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»؟
وفي السكينة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الرحمة، قاله ابن عباس.
والثاني: الوقار، قاله قتادة.
والثالث: السكون والطمأنينة.
قاله ابن قتيبة: وهو أصح.
وفي هاء {عليه} ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها ترجع إلى أبي بكر، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وحبيب بن أبي ثابت، واحتجَ من نصر هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مطمئنًا.
والثاني: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل.
والثالث: أن الهاء هاهنا في معنى تثنية، والتقدير: فأنزل الله سكينته عليهما، فاكتفى باعادة الذِّكر على أحدهما من إعادته عليهما، كقوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] ذكره ابن الأنباري.
قوله تعالى: {وأيده} أي: قوَّاه: يعني النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف.
{بجنود لم تروها} وهم الملائكة.
ومتى كان ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، قاله ابن عباس.
والثاني: لما كان في الغار، صَرفت الملائكة وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته، قاله الزجاج.
فإن قيل: إذا وقع الاتفاق أن هاء الكناية في {أيده} ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف تفارقها هاء {عليه} وهما متفقتان في نظم الكلام؟
فالجواب: أن كل حرف يُردُّ إلى الأليق به، والسكينة إنما يَحتاج إليها المنزعج، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم منزعجًا.
فأما التأييد بالملائكة، فلم يكن إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ونظير هذا قوله: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزِّروه وتوقِّروه} [الفتح: 8] يعني النبي صلى الله عليه وسلم، {وتسبِّحوه} يعني: الله عز وجل.
قوله تعالى: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} فيها قولان:
أحدهما: أن كلمة الكافرين الشرك، جعلها الله السفلى، لأنها مقهورة، وكلمة الله وهي التوحيد، هي العليا، لأنها ظهرت، هذا قول الأكثرين.
والثاني: أن كلمة الكافرين ما قدَّروا بينهم في الكيد به ليقتلوه، وكلمة الله أنه ناصره، رواه عطاء عن ابن عباس.
وقرأ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ويعقوب: {وكلمةَ الله} بالنصب.
قوله تعالى: {والله عزيز} أي: في انتقامه من الكافرين {حكيم} في تدبيره. اهـ.